التعليم يُساهم في تعافي المجتمعات في السودان


تُشرق شمس الصباح على ساحة المدرسة الثانوية المحلية في قرية الجبلين الصغيرة، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر النيل الأبيض الذي يحمل اسم ولاية النيل الأبيض في السودان. تُضيء أشعة الشمس الأولى الغبار المنبعث من أقدام الفتيات اللواتي يهرعن نحو فصولهن الدراسية، وهنّ يحملن كتبهن المدرسية المتعبة ويتبادلن أطراف الحديث في مجموعات قبل بدء اليوم الدراسي.


قبل أشهر قليلة فقط، كانت فصول المدرسة خاوية ومتهالكة. أما الآن، فقد رُتبت مقاعد جديدة في صفوف داخل غرف طُليت جدرانها للتو، ومزودة بنوافذ وأبواب جديدة. بالنسبة لهذه القرية الصغيرة، فإن إعادة افتتاح المدرسة يُمثل أملاً متجدداً، إذ يُتيح للآباء إرسال بناتهم ليس للتعلم فحسب، بل لاستعادة شعورهن بالأمان والاستقرار.

تستضيف ولاية النيل الأبيض حالياً ما يُقدر بنحو 400 ألف لاجئ، ونحو 460 ألف نازح داخلياً. وقد شهدت المدرسة إقبالاً متزايداً منذ إعادة افتتاحها، حيث استقبلت مئات الأطفال النازحين والمحليين، مما أتاح لأكثر من 700 فتاة فرصة استئناف تعليمهن.

بالنسبة لهؤلاء الطلاب – وهم لاجئون من جنوب السودان المجاورة، وسودانيون من النازحين داخلياً، وأطفال من المجتمع المحلي – فإن هذا يُمثل عودةً إلى التعليم بعد أكثر من عامين ونصف من الصراع وانقطاع الدراسة. أما بالنسبة لمعلميهم، فهي فرصة للعمل بكرامة وإعداد الأطفال لمستقبلٍ يُرجى أن يتجاوز الصراع الحالي.

وقالت مديرة المدرسة، سوزان زين الكمالي: “كانت إعادة فتح المدارس بمثابة هدية لنا نحن المعلمين وللأطفال. فعلى الرغم من التحديات الكثيرة، وجدنا القوة للبدء من جديد. لقد تسبب الانقطاع في ضياع عامين من التعليم على العديد من الطلاب، لكننا نعيد بناء العملية التعليمية خطوة بخطوة”.

وأضافت: “التعليم مهم للغاية للفتيات والفتيان على حد سواء، ولكنه مهم بشكل خاص للفتيات، فهو يمنحهن المعرفة والوعي بحقوقهن، إذ عندما لا تتلقى المرأة التعليم، فإنها تفقد تلك الحقوق”.

سوزان زين الكمالي (في الوسط)، مديرة مدرسة الجبلين الثانوية للبنات، تُنجز أعمالاً إدارية في أحد الفصول الدراسية.

سوزان زين الكمالي (في الوسط)، مديرة مدرسة الجبلين الثانوية للبنات، تُنجز أعمالاً إدارية في أحد الفصول الدراسية.

UNHCR/Antonia Vadala ©

في أحد الفصول الدراسية، تبدأ حصة اللغة الإنجليزية بطلب المعلم من الطلاب تصريف الأفعال وتكوين جمل بسيطة. ورغم أن هذه التمارين قد تبدو بديهية بالنسبة لأعمارهم، إلا أن العديد من التلاميذ يعيدون تعلم مهارات فقدوها خلال سنوات انقطاعهم عن الدراسة.

تجلس في مؤخرة الفصل الدراسي أمنية، وهي فتاة سودانية نازحة داخلياً من الخرطوم وتبلغ من العمر 17 عاماً. هذا هو عامها الأول في المدرسة منذ فرارها مع عائلتها من العاصمة السودانية عام 2023، وهي مصممة على أن تكون هذه السنة الدراسية مثمرة.

تقول أمنية بصوت خافت: “عندما سمعت أن المدرسة عادت من جديد، شعرت وكأن الحياة تبدأ من جديد. قبل الحرب، كنت الأولى على صفي. أريد أن أحصل على أعلى الدرجات هذا العام – أريد دراسة الطب، وأحلم بأن أصبح طبيبة جراحة”.

لا تزال أمنية تحمل ذكريات مؤلمة عن رحلة عائلتها من الخرطوم، لكنها في الجبلين، تجد الأمل من جديد – في إيقاع الدروس، وضحكات زميلاتها، والقوة الهادئة التي تنبع من التعلم.

أمنية (يساراً) تقف خارج مبنى المدرسة الرئيسي مع صديقتيها ندى (وسطاً) وكلثومة (يميناً).

أمنية (يساراً) تقف خارج مبنى المدرسة الرئيسي مع صديقتيها ندى (وسطاً) وكلثومة ​​(يميناً).

UNHCR/Antonia Vadala ©

تقول أمنية: “عندما أُغلقت المدارس، لم أستطع تخيّل نفسي بدون دراسة، لذا طلبت من عائلتي دفع تكاليف دروس اللغة الإنجليزية الخصوصية. منذ إعادة فتح المدارس، وأنا في غاية السعادة. أؤمن بأهمية التعليم للفتيات. عندما أصبح أماً، أريد أن أعرف كيف أُعلّم أطفالي. حتى في أوقات النزوح، يُمكن للتعليم أن يُساعدنا على بناء المهارات، والتكيّف، والتواصل مع الناس – فهو يُساعدنا على أن نصبح أقوى”.

فقد ملايين الأطفال والشباب في جميع أنحاء السودان فرصهم في التعليم النظامي بسبب النزاع، حيث أُغلقت المدارس، واستُخدم العديد منها كملاجئ للعائلات النازحة.

تعمل المفوضية وشركاؤها – بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم السودانية – على إعادة تأهيل المدارس حيث يُمكن لأطفال النازحين قسراً وأطفال المجتمعات المضيفة التعلّم جنباً إلى جنب. كما تُقدّم المفوضية الدعم للتلاميذ والمعلمين، بما في ذلك الكتب المدرسية، والأقلام، والزي المدرسي، والموارد التعليمية، وغيرها من المواد.

يتم تمويل هذا العمل من خلال شراكة “بروسبكتس” متعددة السنوات، والتي تهدف إلى سدّ الفجوة بين الاستجابة الإنسانية والتنمية طويلة الأجل. من خلال الاستثمار في التعليم الشامل والمستدام، والدعوة إلى دمج اللاجئين في الأنظمة الوطنية، فإن هذه المبادرة تساهم في ضمان تمكّن كلٍّ من النازحين قسراً والمجتمعات المضيفة من التعلّم والنمو وبناء مستقبل أفضل معاً. ويجمع البرنامج في السودان بين حكومة هولندا، والمفوضية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومنظمة العمل الدولية.

وتُعدّ برامج كهذه بمثابة شريان حياة للأطفال الذين انقطع تعليمهم، إذ يجري ترميم المدارس وتجهيزها بأثاث جديد ومرافق للمياه والصرف الصحي، لضمان بيئات تعليمية آمنة ومناسبة. كما يُوفّر للمعلمين المساحة والموارد والدعم اللازم لمساعدة الطلاب على استكمال دراستهم.

ومن خلال الاستثمار في المدارس الحكومية بدلاً من إنشاء أنظمة موازية، يُعزّز هذا المشروع – الذي يعكس روح شراكة “بروسبكتس” – نظام التعليم الوطني في السودان، ويجعله أكثر مرونة، ويساعده على التعافي والتكيّف لخدمة الأجيال القادمة.

معلم يُلقي درساً في أحد الفصول الدراسية التي تم تجديدها حديثاً في مدرسة الجبلين الثانوية للبنات.

معلم يُلقي درساً في أحد الفصول الدراسية التي تم تجديدها حديثاً في مدرسة الجبلين الثانوية للبنات.

UNHCR/Antonia Vadala ©

يدرس الأطفال اللاجئون المناهج الدراسية نفسها التي يدرسها زملاؤهم السودانيون، ويتعلمون ليس فقط الرياضيات واللغة العربية والإنجليزية والعلوم، بل أيضاً قيماً كالتسامح والثقة والتفاهم المتبادل. ويُكوّنون صداقات تتجاوز الفوارق بين “لاجئ” و”نازح” و”مضيف”.

وبينما لا يزال الصراع يُعطّل التعليم بالنسبة لكثير من الأطفال في أنحاء السودان، تُعيد هذه التدخلات التعليم الحكومي في المناطق الأكثر أماناً، مما يُرسي دعائم الاستقرار والتعافي.

وفي حين تُركّز المفوضية على دعم المدارس الثانوية والمعلمين، تقود اليونيسف جهوداً مُكمّلة في مجال التعليم الابتدائي. وتُساهم هذه التدخلات مجتمعةً في خلق سلسلة تعليمية مُستمرة من السنوات الأولى للدراسة وحتى سن المراهقة، مما يُعظّم الاستفادة من الموارد، ويبني القدرات الوطنية، ويُفيد المجتمعات بأكملها.

وبينما تُواصل أمنية التعلّم والتعافي مع زملائها، تحلم بأن يعود كل طفل في السودان أُجبر على ترك المدرسة إلى مقاعد الدراسة يوماً ما، كما فعلت هي.

تقول: “أريد أن تعود جميع الفتيات إلى مدارسهن. قبل الحرب، كان السودان بلداً رائعاً. بإمكاننا المساعدة في إعادة بنائه وجعله نموذجاً يحتذى به. آمل أن ينعم السودان بالسلام وأن يكون أفضل مما كان عليه من قبل”.

المصدر

نحن ننتمي هنا: الجاهزية المدرسية الشاملة للأطفال ذوي الإعاقات النمائية

يستحق كل طفل أن يلتحق بفصله الدراسي واثقاً بانتمائه إليه، غير أن هذا الحق لا يزال بعيد المنال عن ملايين الأطفال من ذوي الإعاقات النمائية.

وقد طرح بحثٌ حديث أجراه مركز البحوث السكانية والصحية في أفريقيا (APHRC) حول التعلّم المبكر الشامل في كينيا تساؤلاً جوهرياً: «كيف يبدو الإدماج فعلياً خلف أبواب الصفوف؟».

وتقدم نتائج البحث صورةً واقعية للوضع الراهن، وترسم خارطة طريق لمستقبلٍ يرسّخ الانتماء الحقيقي لكل طفل داخل المنظومة التعليمية؛ فالأطفال ذوو الإعاقات النمائية ليسوا في انتظار مستقبلٍ يتيح لهم الاندماج، بل هم حاضرون بيننا اليوم ومستعدون للتعلّم. ويبقى السؤال الموجه للمربين وصنّاع السياسات والباحثين: هل نحن مستعدون لبناء أنظمة تعليمية تستوعبهم حقاً؟

لقراءة المقال كاملاً، يرجى الضغط هنا.

(مدونة) التعليم الشامل في فلسطين في ظلّ التحوّل الرقمي: من العدالة التربوية إلى الممارسة الصفية

د. رائدة قرابصة – عضو شبكة تمكين التعليم في فلسطين

المقدمة

لم تعد التكنولوجيا في المدرسة الفلسطينية أداةً إضافية لتحسين عرض الدرس فقط، بل أصبحت جزءًا من بنية العملية التعليمية نفسها، ولا سيما حين يرتبط الأمر بالتعليم الشامل؛ أي التعليم الذي يضمن حضور جميع الطلبة ومشاركتهم وتعلّمهم دون إقصاء أو تهميش. وتزداد أهمية هذا التوجّه في فلسطين بسبب تعقّد الواقع التعليمي، وتفاوت الوصول إلى الموارد، والحاجة إلى بدائل مرنة تُبقي التعلّم ممكنًا وعادلًا في الوقت نفسه.

وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 95.4% من الأطفال في فلسطين كانوا ملتحقين بالتعليم الأساسي، وهو مؤشر مهم، لكنه لا يعكس وحده حقيقة العدالة التعليمية. فبعض الفئات، ولا سيما الأطفال ذوو الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة، يواجهون مخاطر أعلى في عدم الالتحاق أو التسرب أو ضعف المشاركة في التعلّم. لذلك فإن قضية التعليم الشامل في فلسطين لا تتعلق بالوصول إلى المدرسة فقط، بل بقدرة المدرسة على الاستجابة للفروق الفردية وتقديم فرص حقيقية للتعلّم لجميع الطلبة.

في هذا السياق، تبرز التكنولوجيا بوصفها وسيلة للإنصاف التعليمي، لا ترفًا تربويًا. فهي تساعد على توسيع فرص الوصول، وتقليل الفجوات، وتقديم المحتوى بصيغ متعددة، بما يجعل التعلّم أكثر مرونة داخل الصف وخارجه. كما أن التحول الرقمي حين يُصمَّم على نحو عادل لا يخدم الطلبة ذوي الإعاقة فقط، بل يرفع جودة التعلّم للصف كله، لأنه يوسّع بدائل الفهم والاستجابة والتقويم. ومن هنا، يصبح الحديث عن التعليم الشامل الرقمي جزءًا من مشروع أوسع لبناء مدرسة فلسطينية أكثر عدالة وقدرة على الاستمرار.

أولًا: التعليم الشامل حق تربوي لا خيار إضافي

يقوم التعليم الشامل على فكرة أساسية مفادها أن المدرسة يجب أن تتكيّف مع المتعلّم، لا أن تستبعده إذا لم ينسجم مع النمط التقليدي السائد. وفي فلسطين، تؤكد السياسات التربوية أن التعليم لا ينبغي أن يستبعد أي طالب بسبب الإعاقة أو الجنس أو الصعوبات أو الفروق الفردية، بل يجب أن يبني بيئة مرنة تستجيب لحاجات المتعلمين المتنوعة.

وتكشف المؤشرات المتاحة أن الحاجة إلى هذا النوع من التعليم ليست نظرية. فبحسب بيانات اليونيسف، فإن نسبة ملحوظة من الأطفال ذوي الإعاقة بين 6 و15 عامًا لم يلتحقوا بالمدرسة أصلًا، كما أن بعضهم يغادرون المدرسة قبل إتمام التعليم الأساسي. وهذه الأرقام تدل على أن العدالة في الالتحاق لا تكفي وحدها، لأن التعليم الشامل لا يقاس فقط بوجود الطالب في الصف، بل أيضًا بقدرته على الفهم والمشاركة والاستمرار والتقدّم.

لذلك لا ينبغي النظر إلى التعليم الشامل بوصفه برنامجًا موجّهًا لفئة محددة، بل باعتباره إطارًا تربويًا يعيد تنظيم المدرسة والمناهج وطرائق التدريس والوسائل التعليمية بحيث يصبح التعلّم متاحًا للجميع.

ثالثًا: لماذا تتزايد الحاجة إلى التعليم الشامل الرقمي في فلسطين؟

تظهر قيمة التكنولوجيا في التعليم الشامل عندما تُستخدم لتقديم أكثر من مسار للتعلّم، وأكثر من صيغة للمحتوى، وأكثر من وسيلة للتفاعل. وهذا ينسجم مع مبادئ التصميم الشامل للتعلّم، التي تدعو إلى تنويع طرائق عرض المعرفة، وطرائق التعبير عن التعلّم، ومسارات التحفيز على المشاركة.

وفي المدرسة الفلسطينية، يمكن أن تقوم التكنولوجيا بهذا الدور من خلال عدة مستويات. أولها التقنيات المساندة، مثل قارئات الشاشة، وتحويل النص إلى صوت، وتكبير الخطوط، والبرامج الناطقة، وهي أدوات تتيح للطلبة ذوي الإعاقة البصرية أو صعوبات القراءة التفاعل مع المحتوى بصورة أفضل. وثانيها الوسائط المتعددة التي تجمع بين النص والصوت والصورة والفيديو، فتدعم الطلبة ذوي أنماط التعلّم المختلفة. وثالثها المنصات الرقمية التي تسمح بإعادة مشاهدة الشرح، وإنجاز المهام وفق إيقاع المتعلم، ومتابعة التعلّم خارج زمن الحصة. أما المستوى الرابع فيتمثل في البيانات والتحليلات الرقمية التي تساعد المعلم على رصد التقدّم، وتحديد من يحتاج إلى دعم إضافي، بدل الاكتفاء بحكم عام على أداء الصف.

وقد شددت اليونسكو على أن التحول الرقمي الشامل لا يتحقق بمجرد توفير الأجهزة، بل يتطلب بناء بيئات رقمية ميسّرة، وتدريب المعلمين على الكفايات الرقمية والتقنيات المساندة، وضمان أن تكون الخدمات التعليمية الإلكترونية قابلة للوصول وملائمة للتنوّع بين المتعلمين.

ثالثًا: لماذا تتزايد الحاجة إلى التعليم الشامل الرقمي في فلسطين؟

في الحالة الفلسطينية، لا تقتصر قيمة التكنولوجيا على تحسين جودة العرض التعليمي، بل ترتبط أيضًا بالحفاظ على استمرارية التعلّم في ظروف ضاغطة ومعقّدة. فالتعليم في فلسطين، وخصوصًا في غزة، تعرّض خلال السنوات الأخيرة إلى أزمة عميقة أثّرت في انتظام الدراسة، وأخرجت أعدادًا كبيرة من الأطفال من التعلّم الوجاهي لفترات طويلة. كما تعرّضت نسبة كبيرة من المدارس والمنشآت التعليمية للضرر أو التدمير، وهو ما جعل الوصول إلى التعليم تحديًا يوميًا، لا مجرد قضية تطوير تربوي.

وفي الضفة الغربية أيضًا، يستمر التعليم تحت ضغوط اقتصادية ومؤسسية واضحة، في ظل أزمات مالية أثرت في قدرة المؤسسات التعليمية على العمل بالكفاءة المطلوبة. ولهذا لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة تحديث، بل أصبحت جزءًا من استجابة تربوية ضرورية للحفاظ على الحق في التعليم، وتقليل الفاقد التعليمي، وتوفير بدائل مرنة تساعد على استمرار التعلّم في البيئات الهشة.

رابعًا: المعلم الفلسطيني هو محور الدمج الحقيقي

على الرغم من أهمية الأدوات والمنصات، يبقى المعلم العامل الحاسم في نجاح التعليم الشامل. فالأداة الرقمية لا تصنع الدمج وحدها، ما لم يكن هناك معلم قادر على توظيفها ضمن خبرة تعلم عادلة ومرنة وهادفة. ويتمثل هذا الدور في ثلاثة مجالات رئيسة: تصميم الخبرة التعليمية بطريقة تراعي الفروق الفردية، وإدارة التفاعل داخل الصف بما يضمن حضور جميع الطلبة ومشاركتهم، واستخدام المؤشرات والبيانات من أجل بناء دعم فردي موجّه.

ومن هنا تكتسب المبادرات التي تجمع بين وزارة التربية والتعليم والشركاء الدوليين أهمية كبيرة. فقد أعلنت اليونيسف وفنلندا في كانون الأول/ديسمبر 2024 عن برنامج يمتد ثلاث سنوات لدعم التعليم الآمن والمنصف والشامل في فلسطين، مع تركيز واضح على الأطفال الأكثر هشاشة، بمن فيهم الأطفال ذوو الإعاقة. وتؤكد مثل هذه المبادرات أن نجاح الدمج الرقمي لا يعتمد على توفير الأجهزة فقط، بل على تطوير السياسات وتمكين المعلمين معًا.

خامسًا: مشهد تطبيقي من صف فلسطيني في المرحلة الأساسية

يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسة صفية واقعية. ففي صف ثالث أساسي، مثلًا، قد تخطط المعلمة لدرس في التربية الإسلامية وفق مبدأ التنويع، لا وفق نشاط واحد يفترض أنه مناسب للجميع. تبدأ المعلمة بتحديد أهداف معرفية ومهارية ووجدانية، مثل قراءة الحديث الشريف قراءة سليمة، وفهم معناه، واستنتاج السلوك المطلوب منه.

ثم تعرض مقطع فيديو قصير يقدّم الفكرة الرئيسة بصيغة بصرية وسمعية معًا، وتستخدم الشاشة التفاعلية لإبراز الكلمات المهمة، وتقسيم النص إلى وحدات صغيرة، والتعليق المباشر عليه. وعند القراءة، يمكن للطلبة الاستماع إلى النص، ثم قراءته بأنفسهم، ثم تسجيل أصواتهم ومراجعة أدائهم. هنا لا تكون التكنولوجيا تزيينًا للحصة، بل وسيلة لتوسيع فرص الفهم والتكرار والمراجعة والمشاركة.

ولتحقيق الشمول، يمكن توزيع الأنشطة على مستويات متدرجة. فالمستوى الداعم يركّز على الصور والاختيار بين بديلين أو المطابقة، بما يناسب الطلبة الذين يحتاجون إلى دعم أكبر. والمستوى المتوسط يقدّم أنشطة تفاعلية قصيرة مثل ترتيب الكلمات أو اختيار الإجابة الصحيحة أو لعبة رقمية بسيطة. أما المستوى المتقدم فيدفع الطلبة إلى التفسير والاستنتاج وإبداء الرأي المدعوم بسبب. وبهذه الطريقة يصبح الاختلاف بين الطلبة أساسًا للتنويع المقصود في المهام، لا سببًا للإقصاء أو التهميش.

سادسًا: من الصف إلى البيت، التعلّم المدمج بوصفه امتدادًا للعدالة

من أهم عناصر التعليم الشامل المدعوم بالتكنولوجيا ألّا ينتهي التعلّم بانتهاء الحصة. فعندما ترفع المعلمة نشاطًا منزليًا على منصة رقمية، أو تسجل شرحًا مبسطًا، أو تتيح ملفًا صوتيًا ومرئيًا لمراجعة الدرس، فإنها تمنح الطلبة فرصة ثانية للتعلّم وفق وقتهم الخاص، وتفتح للأسرة مجالًا أكبر للمساندة والمتابعة.

وهذا الامتداد بين المدرسة والمنزل مهم جدًا في فلسطين، لأن ظروف الطلبة ليست متساوية من حيث سرعة الفهم أو القدرة على الإنجاز خلال زمن الحصة فقط. لذلك يمكن للمنصات الرقمية، إذا استُخدمت بمرونة وعدالة، أن تؤدي ثلاثة أدوار متكاملة: تعويض الفاقد التعليمي من خلال إعادة الشرح والمراجعة، وتعزيز التعلّم الذاتي عبر المهام القصيرة والتغذية الراجعة، وإشراك الأسرة في متابعة التقدّم، خصوصًا لدى الطلبة الذين يحتاجون إلى دعم إضافي. كما أن هذا الامتداد يقلّل أثر الغياب أو الانقطاع المؤقت، ويجعل العودة إلى المسار التعليمي أكثر سهولة عندما تتوفر للطالب مواد واضحة ومنظمة يمكن الرجوع إليها.

سابعًا: التحديات التي تعيق هذا المسار

رغم أهمية هذا التوجّه، فإن دمج التكنولوجيا في التعليم الشامل في فلسطين ما يزال يواجه تحديات حقيقية. أول هذه التحديات الفجوة الرقمية بين مدرسة وأخرى، وبين منطقة وأخرى، من حيث الأجهزة، والإنترنت، واستقرار الكهرباء، وتوفر المنصات المناسبة. وثانيها الحاجة إلى تدريب مهني مستمر يمكّن المعلمين من الاستخدام التربوي العادل للتكنولوجيا، بدل الاكتفاء بالاستخدام الشكلي أو الفني المحدود. وثالثها محدودية بعض الموارد الرقمية المكيّفة للطلبة ذوي الإعاقة أو صعوبات التعلّم. أما التحدي الرابع فيتعلق بالضغط العام على النظام التعليمي في ظل الأزمات الممتدة، حيث تتقدم أولوية الاستمرارية أحيانًا على أولوية الجودة.

إضافة إلى ذلك، فإن الحديث عن التعليم الشامل الرقمي في فلسطين لا يمكن فصله عن قضايا البنية التحتية والتمويل والحماية النفسية والاجتماعية. فالمسألة ليست تقنية فقط، بل مؤسسية وتربوية وإنسانية في آن واحد. ولذلك فإن أي نجاح حقيقي في هذا المجال يحتاج إلى تنسيق بين السياسة التعليمية، والدعم المالي، والإعداد المهني، والموارد الرقمية المناسبة، لا إلى مبادرات جزئية متفرقة.

ثامنًا: نحو مدرسة فلسطينية أكثر إنصافًا ومرونة

إن بناء تعليم شامل مدعوم بالتكنولوجيا في فلسطين يتطلب رؤية متكاملة تنطلق من أن العدالة التعليمية ليست نتيجة جانبية، بل هدف مقصود. ويمكن تلخيص هذه الرؤية في أربعة مسارات مترابطة: تصميم رقمي شامل منذ البداية بحيث تكون المواد والأنشطة مرنة وقابلة للوصول، وتأهيل المعلمين في الكفايات الرقمية والتقنيات المساندة واستراتيجيات التنويع داخل الصف، وإنتاج محتوى فلسطيني رقمي مناسب للسياق المحلي ويمكن استخدامه في الصف والمنزل معًا، وربط التكنولوجيا بالإنصاف بحيث تُوجَّه الموارد إلى الفئات والمدارس الأكثر حاجة، لا إلى الواجهة التقنية فقط.

إن المدرسة الفلسطينية بحاجة إلى انتقال مدروس من استخدام التكنولوجيا بوصفها وسيلة عرض، إلى استخدامها بوصفها منظومة دعم تعليمي شامل تحفظ حق التعلّم، وتقلل الفجوات، وتعيد للصف قدرته على احتضان الجميع.

الخاتمة

التعليم الشامل في فلسطين ليس شعارًا تربويًا، بل ضرورة تربوية وأخلاقية ومجتمعية. أما التكنولوجيا فليست غاية مستقلة، بل وسيلة تجعل هذه الضرورة قابلة للتطبيق. وكلما نجحت المدرسة الفلسطينية في توظيف الأدوات الرقمية ضمن رؤية عادلة ومرنة، اقتربت أكثر من نموذج المدرسة التي لا تستبعد أحدًا، ولا تقيس جميع الطلبة بمقياس واحد، بل تمنح كل متعلم فرصة حقيقية للتعلّم والمشاركة والنمو.

وهكذا، فإن مستقبل التعليم في فلسطين لا يُبنى فقط بتوفير الأدوات، بل ببناء فلسفة تربوية ترى في التكنولوجيا طريقًا للإنصاف، وفي التعليم الشامل حقًا أصيلًا لجميع الطلبة.

المراجع

1. UNICEF State of Palestine. Education and Adolescents.

2. UNESCO IITE. (2024). Digital Technologies for Inclusive Education: Recommendations for Promoting an ICT-Based Learning Environment for Resource Centres and Schools.

3. Education Profiles. State of Palestine | Inclusion.

4. UNICEF State of Palestine. (2 December 2024). UNICEF and Finland Support Children with Inclusive Education in the State of Palestine.

5. World Bank. (21 February 2024). World Bank Group Supports Delivery of Essential Education Services in the West Bank.

6. UNICEF State of Palestine. (4 November 2025). After Two Years of War: Gaza’s Education System on the Brink of Collapse.

7. UNICEF State of Palestine. (July 2025). UNICEF in the State of Palestine Escalation Humanitarian Situation Report No. 40.

(مدونة) نحو نموذجٍ مجتمعيٍّ مستدام لتمويل التعليم في غزة

د. محمد عوض شبير: مشرف وباحث أكاديمي وتربوي متخصص في القضايا التعليمية والمجتمعية

في سياقٍ استثنائي يعيشه قطاع غزة، حيث يتقاطع الدمار المادي مع التآكل المتسارع في الموارد المالية، لم يعد التعليم قطاعاً خدمياً قابلاً للتأجيل أو التهميش ضمن أولويات السياسات العامة، بل غدا قضية وجود مجتمعي تمسّ صميم القدرة على الصمود، وحفظ الهوية الوطنية، واستمرارية الوعي الجمعي.

إن ما يمكن توصيفه بـ”الإبادة التعليمية” التي يشهدها القطاع، إلى جانب الاعتماد شبه المطلق على التمويل الخارجي، يفرض سؤالاً مركزياً ملحّاً: هل يستطيع المجتمع الفلسطيني في غزة بلورة نموذجٍ تمويليٍّ مجتمعيٍّ مستدام، يستند إلى قيم التضامن والمسؤولية المجتمعية؟

وفي هذا الصدد لم يعد التعليم مجرد خدمة تقدمها المؤسسات الرسمية أو الدولية، بل تحوّل إلى خط الدفاع الأخير عن الوعي، وحاضنة الأمل للأجيال الصاعدة، والمساحة المتبقية للحماية النفسية والاجتماعية للأطفال والمعلمين والمجتمع بأسره.

قراءة من داخل السياق:

أولاً: تشخيص واقع تمويل التعليم في غزة

تكشف القراءة التحليلية للواقع التعليمي في ظل حالة الطوارئ الإنسانية عن اختلالات بنيوية عميقة تهدد استمرارية العملية التعليمية، ويمكن إجمال
 أبرز ملامحها فيما يلي:

  1. تراجع حاد في رواتب المعلمين، بما يقوّض استقرارهم المهني والمعيشي.
  2.  فجوة واضحة في العدالة المهنية بين المعلمين النظاميين ونظرائهم العاملين في المبادرات المجتمعية.
  3.  إغلاق متزايد للمساحات التعليمية نتيجة غياب التمويل المستدام.
  4.  ضعف القدرة التمويلية للمبادرات التعليمية المؤقتة، وعجزها عن توفير حوافز للعاملين فيها.
  5. صعوبات لوجستية متفاقمة، تشمل استئجار مقرات تعليمية وتوفير المستلزمات الأساسية.
  6.  تآكل الموارد التشغيلية، وارتفاع تكاليفها بشكل غير مسبوق.
  7. انخفاض دافعية المعلمين المتطوعين في ظل غياب الحوافز.
  8. عجز المؤسسات التعليمية عن تلبية الاحتياجات الأساسية للطلبة.
  9. اتساع الفجوة بين الطلب المتزايد على التعليم والقدرة المحدودة على تلبيته.

وعكس هذه المؤشرات مفارقة حادة: فبينما يتعاظم دور التعليم كأداة للحماية النفسية والاجتماعية، تتراجع في المقابل مقومات استدامته المالية.

ثانياً: إشكالية الاعتماد على التمويل الخارجي.

لطالما شكّل التمويل الخارجي ركيزة أساسية لدعم التعليم في غزة، غير أن هذا النمط من الاعتماد أفرز هشاشة بنيوية واضحة، نتيجة تقلبات الدعم الدولي وتبدّل أولويات الجهات المانحة.

وعليه، فإن استمرار الرهان الحصري على التمويل الخارجي لا يضمن استدامة العملية التعليمية، بل يستدعي إعادة التفكير في نماذج تمويل بديلة، يكون المجتمع المحلي أحد مرتكزاتها الأساسية، بما يعزز الاستقلالية ويحدّ من قابلية التأثر بالتغيرات الخارجية.

ثالثاً: إمكانات التمويل المجتمعي للتعليم

يفتح الواقع الراهن المجال أمام تساؤل جوهري:
هل يمكن إعادة تموضع المجتمع من متلقٍ سلبي للدعم إلى فاعل رئيسي في تمويل التعليم؟

فعلى المستوى المحلي، نقدم بعض النماذج في المحافظات الشمالية من فلسطين (الضفة الغربية) مؤشرات أولية، مثل نظام “ضريبة التربية والتعليم” الذي يخصص نسبة من إيرادات الإيجارات لدعم التعليم. ورغم اختلاف السياق الاقتصادي في غزة، إلا أن هذه التجربة تتيح إمكانات للتفكير في صيغ مرنة ومتكيفة مع الواقع المحلي.

أما على المستوى الدولي، فتؤكد التجارب المقارنة أن الأنظمة التعليمية الأكثر استدامة هي تلك التي تُبنى على شراكة مجتمعية واسعة، لا تقتصر على التمويل، بل تمتد إلى المشاركة في صنع القرار وتعزيز المساءلة المجتمعية وثقافة الاستثمار في المعرفة.

رابعاً: كرامة المعلم كمدخل للإصلاح

لا يمكن تصور أي إصلاح تعليمي فعّال دون ضمان الاستقرار المهني والمعيشي للمعلم. فالمعلم يمثل الركيزة المركزية في بناء الإنسان، وأي إضعاف لمكانته ينعكس مباشرة على جودة التعليم ومخرجاته.

وعليه، ينبغي إعادة تعريف راتب المعلم بوصفه استثماراً استراتيجياً في استقرار المنظومة التعليمية، وليس مجرد بند مالي قابل للتقليص.

ويبرز هنا سؤال محوري:

هل يمكن أن تتصدر كرامة المعلم أولويات أي نموذج تمويلي مستقبلي؟

خامساً: أسئلة إشكالية حول المستقبل؟

 تفرض الأزمة الراهنة مجموعة من الأسئلة المفتوحة التي تستدعي تفكيراً جماعياً عميقاً، و من أبرزها:

  • ⁠هل يمكن الانتقال التدريجي نحو نماذج تمويل مجتمعية محلية في غزة؟
  •  ⁠إلى أي مدى يستطيع المجتمع الفلسطيني في غزة، رغم محدودية موارده، بناء منظومة تضامنية داعمة للتعليم؟
  • هل يمكن ترسيخ تمويل التعليم كمسؤولية يومية مشتركة؟
  •  ⁠وكيف يمكن إعادة الاعتبار للمعلم كأولوية مركزية في أي مشروع إصلاحي؟

هذه التساؤلات بريئة لكنها شائكة و لا تقدم إجابات جاهزة، لكنها تعكس إرادة واعية لرفض منطق العجز والاستسلام.

سادساً: مقترحات عملية لنموذج تمويل مجتمعي

يمكن بلورة مجموعة من التدخلات العملية التي تسهم في دعم التعليم في غزة  ومن أبرزها:

  1.  ⁠إنشاء صندوق وطني مجتمعي للتعليم يقوم على مساهمات دورية من الأفراد والقطاع الخاص، بما يضمن مورداً مالياً مستداماً.
  2.  ⁠تبنّي المدارس والمساحات التعليمية من خلال مبادرات مجتمعية تتكفل بدعم مؤسسات تعليمية أو رواتب معلمين.
  3. ⁠ ⁠تعزيز دور المؤسسات المالية والتجارية عبر تخصيص جزء من أرباحها لدعم التعليم ضمن أطر المسؤولية الاجتماعية.
  4. ⁠⁠تخصيص موارد محلية للتعليم من خلال توجيه نسب محددة من بعض الإيرادات أو الرسوم المحلية لدعم التعليم.
  5.  ⁠مواءمة المبادرات المجتمعية مع الأولويات التعليمية بما يعزز توجيه الموارد نحو دعم التعليم بشكل مباشر.
  6.  ⁠تفعيل دور المؤسسات الإغاثية عبر إدماج التعليم ضمن أولويات التدخل الإنساني.

خاتمة:
نحو إعادة تعريف التعليم كقضية مجتمعية

إن إعادة تموضع التعليم كأولوية مجتمعية في غزة يتطلب تحوّلاً في الوعي الجمعي، بحيث يُنظر إليه كقضية أمن مجتمعي ورافعة للاستمرار الحضاري، لا كخدمة قابلة للتأجيل.

ويستدعي ذلك:

  • دمج التعليم في الخطاب المجتمعي العام.
  • ربطه بكرامة المجتمع وهويته.
  • تعزيز الشفافية في إدارة موارده.
  • توسيع دائرة المشاركة المجتمعية في صنع القرار التعليمي.

ورغم شحّ الموارد، يمتلك المجتمع في غزة رأسمالاً اجتماعياً قادراً على ابتكار حلول تضامنية خلاقة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في ندرة الإمكانات فحسب، بل في القدرة على تحويل التعليم إلى أولوية فعلية ومستدامة.

فالتعليم في غزة ليس خياراً… بل مسألة وجود….